السعيد شنوقة

181

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

ومن هذا يمكن القول : إن الحكمة من الخلق تحقيق منفعة البشر لأنه عز وجل لا يخلق شيئا إلا للنفع أو الاعتبار به ، ولا يعطي لعباده في الدنيا إلا ما هو أصلح لهم ، وزاد المعتزلة على هذا بأنه تعالى لا يقدر أن يعمي بصيرا أو يمرض صحيحا أو يفقر غنيا إذا علم أن الصحة والبصر والغنى أصلح لهم . وأنه غير قادر على إغناء الفقير أو إبراء المريض إذا علم أن ذلك أصلح لهم « 1 » . وهذا معناه أن ما يعرض للعباد في هذه الدنيا من مرض وصحة وفقر وغنى وحياة وموت وسراء وضراء هو صلاح لهم . ولعل هذا هو الذي يفهم من قول المعتزلة على لسان القاضي عبد الجبار : بأن الأفعال التي يفعلها الله عز وجل من الآلام لا تخلو إما أن توصل إلى المكلف أو إلى غيره ، فإن أوصلت إلى غير المكلف لا بد أن تقابل من الأعواض ، وما يوفي عليه وأن يكون فيه اعتبار للمكلفين حتى لا يكون بالنسبة للأول ظلما وللثاني عبثا . أما إن أوصله إلى المكلف فيلزم فيه الأمران كلاهما « 2 » ، وأبرزوا الغرضية في صور الحيات والعقارب والسباع الضارية الخبيثة والحيوانات المؤذية القتالة فصورها ، وإن كانت قبيحة في المنظر فإن فيها أغراضا حكيمة لا يعلمها إلا من أنصف نفسه وأدى الفكر حقه . وأغراضها : نفعها أولا ثم نفع العباد . وهي تتعلق بها منافع دينية ودنيوية « 3 » . ويظهر أن هذا ينسجم مع ما ذهب إليه ابن حزم الذي صرح باتفاق المعتزلة معه في معنى خلق الله تعالى للخمر والخنازير والحجارة المعبودة بأنها مخلوقات حسنة منه تعالى ، سميت قبائح وأرجاسا حراما . وهكذا يقال في خلقه للأعراض في

--> - ود . سميح دغيم فلسفة القدر في المعتزلة ، ص 88 - 92 - ، 133 ود . سعيد مراد ، مدرسة البصرة الاعتزالية ، ص 379 . ( 1 ) انظر م ن ، ص 63 - 64 والأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص ، 317 والبغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص ، 134 وزهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 111 وقد كفر بشر بن المعتمر من قال بالأصلح ووضع عوضها عقيدة اللطف المتمثلة في أن لله ألطافا كثيرة لا نهاية لها لو فعلها بمن يعلم أنه لا يؤمن لآمن ، وعليه أن يفعل لهم ما هو أصلح لهم في دينهم ويزيح عللهم فيما يعوزهم لأداء ما كلفوا به . انظر الخياط ، الانتصار ، ص ، 115 وابن حزم ، الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ج 3 ، ص ، 201 وزهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 114 ، ود . سميع دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 132 - 133 . ( 2 ) انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، ج 1 ، ص 317 - 318 - ، 319 والقاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 175 . ( 3 ) انظر م ن ، ج 1 ، ص 298 - 312 ، والقاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 175 - 176 .